صديق الحسيني القنوجي البخاري
208
فتح البيان في مقاصد القرآن
وحكاه في الموطأ عن زيد بن ثابت وإليه ذهب إسماعيل القاضي فيكون الاستثناء على هذا منقطعا أي حرمت عليكم هذه الأشياء لكن ما ذكيتم فهو الذي يحل ولا يحرم ، والأول أولى ، والذكاة في كلام العرب الذبح ، قاله قطرب وغيره . وأصل الذكاة في اللغة التمام أي تمام استكمال القوة ، والذكاء حدة القلب وسرعة الفطنة ، والذكاة ما تذكى منه النار ، ومنه أذكيت الحرب والنار أوقدتهما ، وذكاء اسم الشمس ، والمراد هنا إلا ما أدركتم ذكاته على التمام ، والتذكية في الشرع عبارة عن انهار الدم وفري الأوداج في المذبوح ، والنحر في المنحور ، والعقر في غير المقدور ، مقرونا بالقصد للّه وذكر اسمه عليه . وأما الآلة التي يقع بها الذكاة فذهب الجمهور إلى أن كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج فهو آلة للذكاة ما خلا السن والعظم ، وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة . وَ حرم ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ أي ما قصد بذبحه النصب ، ولم يذكر اسمها عند ذبحه بل قصد تعظيمها بذبحه ف عَلَى بمعنى اللام فليس هذا مكررا مع ما سبق ، إذ ذاك فيما ذكر عند ذبحه اسم الصنم ، وهذا قصد بذبحه تعظيم الصنم من غير ذكره ، وقال ابن فارس : النصب حجر كان ينصب فيعبد وتصب عليه دماء الذبائح ، والنصاب حجارة تنصب حوالي شفير البئر فتجعل عضائد ، وقيل النصب جمع واحده نصاب كحمار وحمر ، وقرأ الجحدري كالحبل والجمل والجمع أنصاب كالأحبال والأجمال . قال مجاهد : هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها ، وقيل كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون حجرا منصوبة قال ابن عباس : هن الأصنام المنصوبة ، قال ابن جريج : كانت العرب تذبح بمكة وتنضح بالدم ما أقبل من البيت ويشرحون اللحم ويضعونه على الحجارة ، فلما جاء الإسلام قال المسلمون للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال فأنزل اللّه وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ . والمعنى والنية بذلك تعظيم النصب لا أن الذبح عليها غير جائز ، ولهذا قيل : إن على بمعنى اللام أي لأجلها ، قاله قطرب ، وهو على هذا داخل فيما أهلّ به لغير اللّه وخص بالذكر لتأكيد تحريمه ، ولدفع ما كانوا يظنونه من أن ذلك لتشريف البيت وتعظيمه . وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ وهي قداح الميسر ، واحدها زلم . والأزلام للعرب ثلاثة أنواع أحدها مكتوب فيه افعل والآخر مكتوب فيه لا تفعل والثالث مهمل لا شيء عليه فيجعلها في خريطة معه ، فإذا فعل شيء أدخل يده وهي متشابهة فأخرج واحدا منها فإن خرج الأوّل فعل ما عزم عليه ، وإن خرج الثاني تركه وإن خرج الثالث أعاد الضرب حتى يخرج واحد من الأولين . وإنما قيل لهذا الفعل استقسام لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق وما يريدون فعله